see translation

2026-07-28

أساتذة وخبراء الإعلام يستعرضون دور الذكاء الاصطناعي في هيكلة "اقتصاد المعرفة"

أساتذة وخبراء الإعلام يستعرضون دور الذكاء الاصطناعي في هيكلة "اقتصاد المعرفة" 

ا.د هبة السمري رئيس الجلسة: مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند حدود الابتكار

أ.د. محمد حسام الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة: استدامة اقتصاد المعرفة الإعلامي يتطلب حوكمة خوارزمية صارمة 

ا.م.د حياة بدر متحدث الجلسة: جودة المحتوى وسباق تخصيصه أصبح أكثر أهمية من كمية المحتوى في عصر إعلام الذكاء الاصطناعي 

ناقشت المائدة المستديرة " الذكاء الاصطناعي التوليدي وتشكل اقتصاد المعرفة الإعلامي" 2، التحولات الهيكلية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي على منظومة الإعلام والتعليم الأكاديمي وصناعة المحتوى الرقمي، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين المصريين والدوليين. 

وقد تناولت الجلسة مجموعة من المحاور الحيوية؛ أبرزها مستقبَل كليات الإعلام ومخاطر اندماج أقسامها في ظل التحول الرقمي، وتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف الصحفية وسوق العمل، ، والتزييف العميق، واتساع الفجوة المعرفية بين الدول.

 وناقشت الجلسة الاستراتيجيات التسويقية الحديثة وظهور "المؤثرين الافتراضيين"، وتطبيق نماذج الذكاء الاصطناعي في كشف التحيزات البصرية للتغطيات الصحفية ودورها في إعادة تشكيل المجال العام الرقمي للمجتمعات المهجرة والمهمشة، وذلك برئاسة الأستاذة الدكتورة هبة الله السمري، الأستاذ بقسم الإذاعة والتلفزيون كلية الإعلام جامعة القاهرة، وبإدارة الأستاذ الدكتور محمد حسام الدين، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة. 

جاء ذلك خلال فعاليات اليوم الثاني من المؤتمر العلمي الدولي الحادي والثلاثين لكلية الإعلام جامعة القاهرة «اقتصاد المعرفة في بيئة الإعلام الرقمي»، برعاية أ.د. محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، ودعم أ.د. محمود السعيد، نائب رئيس الجامعة لشؤون الدراسات العليا والبحوث، وبرئاسة أ.د. وسام نصر، عميدة كلية الإعلام، وأمانة أ.د. سحر مصطفى، وكيلة الكلية لشؤون الدراسات العليا والبحوث، والذي عقد على مدار يومين 27 و28 يوليو 2026.

من جانبها، أكدت الأستاذة الدكتورة دينا فاروق أبو زيد، عميد كلية الإعلام جامعة 6 أكتوبر، أن التحولات التكنولوجية المتسارعة وتغلغل تقنيات الذكاء الاصطناعي يحتمان على المؤسسات الأكاديمية والإعلامية إعادة النظر في منظومة التعليم والتدريب الإعلامي، مشيرة إلى أن التحديات الراهنة تشبه إلى حد كبير الأزمات التي واجهتها الصحافة الورقية والمطبوعات قبل سنوات عند بزوغ عصر الإعلام الرقمي.

 وأوضحت عميدة كلية الإعلام جامعة 6 أكتوبر أن الصحافة المطبوعة شهدت إغلاق العديد من الإصدارات عالمياً، واندماج مؤسسات إعلامية كبرى، والتحول الكامل نحو النسخ الرقمية لمواجهة منافسة منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما ينعكس اليوم على واقع كليات الإعلام وفرص العمل المتاحة، محذرة من خطر حقيقي يهدد مستقبل أكاديميات الإعلام، لافتة إلى أن العديد من الجامعات حول العالم بدأت بالفعل في إغلاق أقسام الصحافة والإعلام، أو دمجها مع أقسام أخرى، أو تحويلها إلى تخصصات فرعية مصغرة. 

وأرجعت د. دينا التراجع في أقسام الصحافة إلى الفلسفة الاقتصادية للجامعات والتحولات المالية، حيث تتجه أعداد كبيرة من الطلاب نحو مجالات علوم الحاسب والهندسة، مقابل تراجع الإقبال على كليات الإعلام، وهو ما يضع الكليات والأكاديميين أمام مسؤولية بحثية وعلمية عاجلة للتعامل مع هذا التحدي الفارق.

وفي استعراضها لتأثيرات الذكاء الاصطناعي، أشارت د. دينا أبو زيد إلى وجود جانبين؛ أولهما يتعلق بالفرص والوظائف المستحدثة، حيث يسهم الذكاء الاصطناعي في خلق فرص عمل جديدة وتتجه الشخصيات العامة والمؤسسات إلى الاستعانة بمتخصصي التحرير والتصميم وتصوير الفيديو باستخدام التقنية لتعزيز حضورهم الرقمي، أما الجانب الثاني فيتمثل في التحديات والسلبيات الناتجة عن فقدان العديد من الوظائف التقليدية لمن لا يستطيعون التكيف، إذ أصبحت التقنية قادرة على كتابة الأخبار، وتصميم الإعلانات، وإنتاج المواد الإذاعية والتلفزيونية بالكامل، مما يتيح للأفراد غير المتخصصين القيام بمهام الإعلامي التقليدي.

وتطرقت عميدة الكلية إلى مصطلحات جديدة فرضها العصر الرقمي، أبرزها ظاهرة "الصفر نقرة" (Zero-Click) حيث يتجه المستخدمون للحصول على المعلومات مباشرة عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة لزيارة المحركات البحثية أو المواقع الإخبارية، مما يضعف اشتراكات الصحف وشراء الكتب. كما أشارت إلى ظاهرة فجوة المعرفة الرقمية التباينية بين من يمتلكون قدرة مالية للوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي المدفوعة وبين من يقتصرون على التطبيقات المجانية، إضافة إلى خطر "هلوسة الذكاء الاصطناعي" والتزييف العميق عبر تقديم معلومات خاطئة بصياغات تبدو فائقة الدقة، مما يتطلب استمرار وتطوير أدوات كشف التزييف ومراجعة البيانات.

واختتمت الأستاذة الدكتورة دينا فاروق أبو زيد كلمتها بالدعوة إلى ضرورة التكيف واستغلال التقنية بدلاً من الخوف منها، محددة عدة توصيات رئيسية تشمل الانتقال إلى نشر الوعي بالتنوير بالذكاء الاصطناعي في المدارس والجامعات، وتطوير المناهج الدراسية بزيادة الجرعة التطبيقية والعملية، إلى جانب مطالبات للدول المتقدمة بتحمل مسؤوليتها في تقديم الدعم البنيوي للبلدان النامية والأفريقية لردم الفجوة الرقمية، وتشجيع الطلاب والباحثين على التدريب والتعلم المستمر لتبني التكنولوجيا الحادّة وتجنب إغلاق الأقسام والمؤسسات الإعلامية مستقبلاً.

وفي تعقيبه، بدأ أ.د. محمد حسام الدين، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ومدير الحلقة النقاشية، حديثه مؤكداً على اعتزازه بالتواجد في كلية الإعلام جامعة القاهرة وإدارة هذه الجلسة النقاشية الدقيقة، مشيراً إلى أن العصر الحالي يفرض التحرك لما هو أبعد من الضجة السطحية المثار حول الذكاء الاصطناعي للوصول إلى تفكيك الحقائق الهيكلية والاقتصادية والإنسانية للتحول الرقمي.

وأشار د. "حسام الدين" في مداخلته إلى الرؤية الواقعية للتحديات، لافتاً إلى مفارقة اقتصادية حادة: "إن الذكاء الاصطناعي التوليدي يقلل بشكل كبير من حواجز دخول سوق الإعلام ويثبت كفاءة عملية تخفض النفقات التشغيلية، ولكنه في الوقت نفسه يهدد العمالة الإعلامية ويزيد الفجوة في البنية التحتية الرقمية بين دول الشمال ودول الجنوب العالمي".

وتساءل د. حسام الدين: "مع تحول عملية إنتاج المحتوى إلى التكلفة المنخفضة والسرعة الفائقة، أين تكمن القيمة الاقتصادية الحقيقية للعمل الإعلامي مستقبلاً؟"، مستشهداً بظاهرة انتشار الأخبار المزيفة والتزييف العميق (Deepfakes) المنتشر بكثرة على المنصات.
كما وجه تحذيراً صريحاً لكليات الإعلام الكلاسيكية بالقول: "إننا نشهد إنذاراً حقيقياً يدعونا لإعادة هيكلة أقسامنا الأكاديمية لمواجهة خطر الاندماج أو الاندثار، متسائلاً عن كيفية حماية مؤسسات الإعلام المحلية للوظائف الصحفية مع الحفاظ على استدامتها الاقتصادية".

في أحدث الدراسات الإعلامية التي تعتمد على تقنيات تحليل الصور الذكية، قدم الأستاذ الدكتور ياوي كانغ (Yowei Kang)، الأستاذ المساعد بقسم الاتصال والمسرح بجامعة أوبورن بالولايات المتحدة الأمريكية، عرضاً بحثياً تسلّط فيه الضوء على كيفية تناول الصحافة الآسيوية والتايوانية للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، وقد شاركه في البحث أ.د. كينيث سي. سي. يانغ الأستاذ بقسم الاتصال، جامعة تكساس. 

و أوضح د. كانغ أن الدراسات السابقة لدراسته البحثية (المنشورة بين عامي 2025 و2026) أثبتت وجود ميل وانحياز واضحين لصالح التغطية الإسرائيلية في وسائل الإعلام الغربية عند معالجة الصراع، واستهدف البحث الحالي استكشاف طريقة عرض الصورة (Visual Framing) والمبررات الأيديولوجية في الصحف التايوانية والآسيوية ذات التوجهات المختلفة للوقوف على مدى اختلافها عن الإعلام الغربي.

كما استعرض د. كانغ حجم العينة التي بلغت 536 صورة صحفية تم جمعها عبر ثلاثة أحداث مفصلية كانت حول أحداث 7 أكتوبر 2023  شملت 363 صورة (شهدت تغطية إعلامية مكثفة واهتماماً استثنائياً)، وحادث هجوم رفح (مايو 2024) وشملت 76 صورة، وقمة غزة للسلام (2025): شملت 97 صورة.

أكد د. كانغ أن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليلي (مثل ChatGPT-4 Vision) فتح أفقاً جديداً للبحوث الإعلامية، حيث أتاح للباحثين تجاوز عقبات التحيز البشري: التغلب على مشكلات ثبات التحليل بين المحللين البشريين (Inter-coder reliability)، وسبل معالجة البيانات الضخمة من استخراج العناصر النصية، وتحليل السياق البصري، وتصنيف المشاعر البصرية المضمنة في الصور (مثل: الخوف، الغضب، الحزن، والصمود) بدقة عالية وسرعة فائقة عبر 7 أساليب توجيهية (Prompts) محددة.

أشار د. كانغ إلى أن العينة توزعت بين صحف متعددة التوجهات السياسية والجغرافية لتأكيد شمولية النتائج.

واختتم د. ياوي كانغ كلمته بالإشارة إلى أن دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل المضمون البصري يوفر للباحثين أدوات منهجية صارمة للكشف عن الأجندات الأيديولوجية والتأطير الإخباري للقضايا الدولية الشائكة، مؤكداً أن الإعلام الآسيوي يقدم زوايا معالجة بصرية مختلفة نسبياً عن الطرح الإعلامي السائد في الغرب. 

وأشاد الأستاذ الدكتور حسام بالأهمية البالغة والتوقيت الحيوي للبحث الذي قدمه الأستاذان «كانغ» و«يانغ»، موضحاً أنه يطرح تقاطعاً حاسماً بين أساليب الذكاء الاصطناعي متعددة الأنماط (مثل نموذج GPT-4V) واستخدامها كأدوات بحثية لكشف التحيزات البصرية الدفينة في الإعلام العالمي، لا سيما عند تحليل الصحافة المصورة الخاصة بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023.

وطرح د. حسام عدة تساؤلات جوهرية من المنظور المنهجي والمعرفي للإعلام؛ حيث تساءل عن كيفية قيام الذكاء الاصطناعي بتفكيك التأطير البصري مقارنةً بتحليل المضمون اليدوي التقليدي، والفرق الجوهري بين استخدام الرؤية الحاسوبية (Computer Vision) والتحليل البشري المباشر. كما أثار نقطة إشكالية تتعلق بالتحيز الخوارزمي المحتمل لكون نموذج الذكاء الاصطناعي المُستخدم مُدرباً في الأساس على قواعد بيانات غربية وأمريكية.

ومن ناحية اقتصاديات الإعلام، أشار د. حسام إلى أن الصحافة المصورة تُعد مكلفة للغاية، مما يجعل العديد من المؤسسات الإخبارية حول العالم تعتمد بشكل أساسي على وكالات الأنباء الغربية الكبرى مثل «رويترز» و«أسوشيتد برس»، متسائلاً عما إذا كان هذا الاعتماد الاقتصادي يفرض على وسائل الإعلام في الجنوب العالمي تبني التأطير البصري الغربي حتى وإن اختلفت مواقفها الجيوسياسية.

وعلى الجانب التسويقي، أشارت د. حياة بدر الأستاذ مشارك والقائم بأعمال رئيس قسم العلاقات العامة والإعلان بجامعة MSA أن طبيعة «اقتصاد المعرفة» تتطور بسرعة متسارعة فرضت الانتقال نحو منظور تسويقي مباشر، وأوضحت أن معيار النجاح الأهم لدى الممارسين والمسوقين هو عائد الاستثمار (ROI) وكيفية تحويل الحملات الإعلانية إلى نمو اقتصادي ومبيعات ملموسة. 

وأكدت د. حياة بدر إلى أن العصر الحالي لم يعد يعتمد على «كمية المحتوى» بهدف زيادة المبيعات فحسب، بل تحول التركيز نحو «جودة السياق وتخصيصه» عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحيث يُقاس عائد الاستثمار بمقدار الابتكار التسويقي القادر على جذب انتباه المستهلك وسط المنافسة الشديدة.

واستعرضت رئيس قسم العلاقات العامة والإعلان بجامعة MSA ظاهرة «المؤثرين الافتراضيين» (Virtual Influencers) كأحد أبرز الابتكارات التسويقية الصاعدة، مؤكدة أن الاعتماد على الشخصيات الافتراضية المبتكرة بالذكاء الاصطناعي (AI Avatars) أو الرسوم المتحركة أحدث نقلة نوعية مقارنة بالمؤثرين التقليديين.

وأضافت أن هؤلاء المؤثرين الافتراضيين يُعدون نموذجاً حياً لاقتصاد المعرفة لكونهم منتجات غير ملموسة تعتمد على البيانات والأكواد والخوارزميات، وتوفر الوقت والتكلفة وتُدرّب بدقة لتقديم الرسالة المطلوبة، مع تحقيق قيمة اقتصادية دون الحاجة إلى مجهود بدني تقليدي.

ولم تغفل د. حياة بدر التحديات الأخلاقية والسلوكية التي تفرضها هذه التقنيات على المستهلك، مشيرة إلى عدة محاذير، أبرزها: تأثير الرسائل الخفية  إمكانية تمرير أفكار وضمنيات تؤثر على الثقافة والقيم المجتمعية والوعي بالذكاء الاصطناعي (AI Literacy) وضرورة رفع وعي الجمهور للتمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصنّع افتراضياً، وتلاشي الحدود السلوكية من حيث خطر اتخاذ الأجيال الناشئة (Gen Z & Gen Alpha) لهذه الشخصيات الافتراضية كقدوة (Role Models).

وفي ختام كلمتها، شددت د. حياة بدر على أنه رغم الحلول الأكاديمية والتشريعية المطروحة — مثل الإفصاح عن المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي وزيادة الرقابة البشرية — إلا أن المستهلك البشري يبقى هو المفتاح الحقيقي والفيصل؛ بتمتعه بسلطة "المتابعة، التخطي، أو الحظر".

فيما أكّد الباحث د. جيريميا ترينشيزي، باحث الدكتوراه بجامعة سابينزا بإيطاليا، خلال مشاركته الأكاديمية عبر الإنترنت، أن محتوى الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المجال العام الرقمي بشكل متسارع، مستعرضاً نتائج مشروعه البحثي للدكتوراه الذي يتناول كيفية استخدام المجتمعات الفلسطينية المهجرة لمنصتي «إنستغرام» و«تيك توك» لبناء الهوية الجماعية، وتعزيز الانتماء عبر الوطني، والحشد السياسي، في ظل القيود الخوارزمية وسياسات إشراف المنصات على المحتوى.

وأوضح ترينشيزي أن دراسته تعتمد على تصميم منهجي يدمج بين بحث العمل المشارك، والإثنوغرافيا الرقمية، وتحليل الخطاب النقدي والبصري، من خلال جمع وتجميع مدونة لغوية متعددة تضم حتى الآن نحو 4,417 منشوراً بـ 10 لغات مختلفة باستخدام أدوات أكاديمية مفتوحة المصدر، مشيراً إلى أنه إذا كان التهجير يُعرَّف رسمياً كحالة مستمرة من «الوجود خارج المكان» بغض النظر عن الموقع الجغرافي، فإن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت بمثابة «المكان» الذي يمنح الأفراد المهجرين الشعور بالاستقرار والتمكين الخطابي.

وأضاف الباحث الإيطالي أن هناك توتراً مركزياً بين محاولات المجتمعات المهجرة لبناء الهوية والحشد السياسي، وبين سياسات المنصات الرقمية التي تفرض قيوداً خوارزمية وحظراً على بعض المحتويات، مستشهداً بسياسات الإشراف على المحتوى لدى شركة «ميتا» التي تنص على إزالة المحتوى العنيف لحماية المستخدمين مع إتاحة بعض الصور الجرافيكية في سياق النقاشات القائمة حول حقوق الإنسان والنزاعات المسلحة للرفع من مستوى التوعية، ومؤكداً في الوقت ذاته أن إضفاء الطابع المنصي على الصور وتوليد الوسائط البصرية بالذكاء الاصطناعي يمتزجان بتلبية احتياجات صناعة المحتوى، مما يشكل الهوية الثقافية والبصرية الحديثة ويغير طرق تمثيل المجتمعات المهمشة رقمياً.

أوضحت د. سارة أنور، المدرس بكلية الإعلام والدراسات الاتصالية بجامعة منهاج بباكستان، خلال مشاركتها البحثية، أن الذكاء الاصطناعي التوليدي والتخصيص العاطفي أحدثا تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقات شبه الاجتماعية (Parasocial Relationships) بين المؤثرين وصناع المحتوى والشباب في البيئات الحضرية.

واستعرضت د. سارة أنور مفهوم «الألفة الاصطناعية الواسعة» (Synthetic Intimacy at Scale)، مشيرة إلى أنها تعتمد على المحاكاة الآلية للاهتمام والود عبر لغة مخصصة عاطفياً وبنية تحتية تتيح التواجد والرد السريع المستمر، مما يخلق إحساساً زائفاً بعلاقة شخصية يستحيل على صانع المحتوى البشري الحفاظ عليها واقعياً لضيق الوقت.

وأوضحت الباحثة الباكستانية أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت تقوم بـ «كتابة الدفء والتعاطف» عبر توليد التعليقات، والنصوص الإعلانية، والردود الآلية على الرسائل الخاصة بسرعة فائقة وتكلفة شبه معدومة، وهو ما يوجد "فجوة صدق" لدى المتابعين الذين يعجزون عن التمييز بين ما هو بشري وما هو آلي.

وأشارت د. سارة أنور إلى أن هناك خلطاً شائعاً بين التفاعل شبه الاجتماعي لحظياً (PSI) والعلاقة شبه الاجتماعية طويلة الأمد (PSR)، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي قد يدفع هذين الاتجاهين في مسارين متناقضين؛ حيث يزيد من كثافة التفاعل اللحظي والردود، ولكنه في الوقت ذاته يضعف عمق العلاقة الحقيقية والارتباط العاطفي المستدام.

واختتمت د. سارة أنور كلمتها بملخص جوهري لطبيعة هذه العلاقة غير المتكافئة، مؤكدة أن "الفرص والمكاسب الاقتصادية تتجه للأعلى لصالح صناع المحتوى، في حين تتجه المخاطر العاطفية والهشاشة النفسية للأسفل نحو المتابعين"؛ حيث لم يعد السؤال اليوم يكمن في مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الألفة والمشاعر، بل في مَن يتحمل العبء العاطفي الحقيقي عندما تتشكل تلك المشاعر الافتراضية. 

أكد د. أليكس فالفيردي-فالنسيا، باحث الدكتوراه بجامعة بومبيو فابرا بإسبانيا، خلال مشاركته البحثية بعنوان «من التوليد إلى التنسيق: فهم علاقتية مسارات العمل الإبداعية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي»، أن ادماج الذكاء الاصطناعي التوليدي في الممارسات الإبداعية يطرح تساؤلات تتجاوز فكرة "الأتمتة الآلية" والتخلي عن الجهد البشري.
وأوضح فالفيردي-فالنسيا أن التوسع في استخدام هذه النماذج يعيد تشكيل الإبداع التشاركي بين الإنسان والآلة كعامل مركزي ومعقد داخل مسارات العمل الجديدة، مشيراً إلى أن مفاهيم مثل التفاوض، وتوزيع الأدوار والتحكم، والتعاون المتبادل تفرض تحدياً واضحاً للرؤية الأداتية الضيقة للذكاء الاصطناعي التوليدي.

وأشار الباحث الإسباني، استناداً إلى دراساته على طلاب التعليم العالي وقطاع الإبداع المرئي والمسموع في برشلونه، إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يقلل بالضرورة من ساعات العمل، بل "يقوم بإعادة توزيع أعباء العمل، والمسؤولية، والشفافية عبر مسار الإنتاج".

واختتم فالفيردي-فالنسيا بالتأكيد على أن قيمة العمل الإبداعي تنتقل اليوم من مجرد "المعرفة التقنية" (Know-how) إلى «القدرة على التقييم والحكم» (Ability to judge)، حيث يصبح التحدي الحقيقي في معرفة أي المخرجات تصلح للعمل، ولماذا، وفي أي سياق تُستخدم.

وأشار أ.د حسام الدين محمد، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، مؤكدا أنه لكي يظل اقتصاد المعرفة الإعلامي أخلاقياً، ومستداماً، ومفيداً للمجتمع، فإنه يجب تحقيق التوازن بين التكيف التكنولوجي والإشراف والإنساني النقدي، مع ضرورة إجراء التدقيق الخوارزمي الصارم، والمتابعة المستمرة، ووضع أطر تنظيمية واضحة ومحددة.
 فيما اختتمت أ.د. هبة الله السمري، أستاذ الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، الجلسة بالتأكيد على أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تكتفي فقط بتحويل اقتصاد المعرفة الإعلامي، بل إعادة تعريف العلاقة بين التكنولوجيا، والإبداع، والأخلاقيات، والمجتمع.
وأضافت أ.د. هبة الله السمري أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الإعلام لا يتعلق فقط بالابتكار التكنولوجي، بل يرتكز بالأساس على ضمان أن يخدم هذا الابتكار البشرية بمسؤولية وأخلاقية وشمولية.













 
 
أضف تعليق
0

0

الأسم
البريد اللكتروني
التعليق