الإعلام وصناعة المعرفة في قلب الابتكار.. خبراء دوليون يرسمون ملامح اقتصاد المستقبل بمؤتمر "إعلام القاهرة"
د. هشام مصباح: الخوارزميات وغرف الصدى وفرط المعلومات أبرز تحديات نشر المعرفة
أ.د. دينا عرابي: الإعلام لم يعد ناقلًا للتكنولوجيا.. بل أصبح صانعًا للابتكار
د. إيمان زهرة: الذكاء الاصطناعي يجب أن يعزز القدرات البشرية لا أن يستبدلها
د. ديفيد بينتر: الابتكار يبدأ برأي الأقلية.. وإسكات الأصوات المختلفة يعيق الإبداع
د. ديفيد بينتر: المعلومات وحدها لا تكفي.. والتفكير النقدي هو خط الدفاع الأول ضد التضليل
د. شهلا عدنان: التحدي ليس إنتاج المعلومات.. بل تحويلها إلى معرفة تقود إلى الفعل
مارتينا فوكس: الذكاء الاصطناعي يضاعف السرعة.. والإنسان يضاعف الفهم
تريشيا أوكتافيانو: حماية بيانات الأطفال الرقمية تبدأ برفع وعي الأسر وتعزيز الخصوصية
أ.د. بسنت مراد: اقتصاد المعرفة يحتاج إعلامًا يربط بين المبتكرين وصناع القرار والجمهور
ناقشت المائدة المستديرة «الإعلام ونشر المعرفة وبناء اقتصاد قائم على الابتكار» الدور المتنامي للإعلام في تحويل المعلومات إلى معرفة قابلة للفهم والتطبيق، وبناء بيئة داعمة للابتكار، في ظل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والمنصات الرقمية.
جاء ذلك خلال فعاليات اليوم الأول من المؤتمر العلمي الدولي الحادي والثلاثين لكلية الإعلام جامعة القاهرة «اقتصاد المعرفة في بيئة الإعلام الرقمي»، برعاية أ.د. محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، ودعم أ.د. محمود السعيد، نائب رئيس الجامعة لشؤون الدراسات العليا والبحوث، وبرئاسة أ.د. وسام نصر، عميدة كلية الإعلام، وأمانة أ.د. سحر مصطفى، وكيلة الكلية لشؤون الدراسات العليا والبحوث، والذي يعقد يومي 27 و28 يوليو 2026.
وافتتحت أ.د. ابتسام أبو الفتوح المائدة المستديرة بالترحيب بالمتحدثين والمشاركين، وقدمت عرضًا لأبرز محاور النقاش وأهمية الموضوعات التي تتناولها المداخلات في ضوء التحولات التي تشهدها بيئة الإعلام والمعرفة والابتكار، كما وجهت الشكر للخبراء والأكاديميين المشاركين في الجلسة.
وتناول د. هشام مصباح، أستاذ الاتصال بكلية رولينز Rollins بالولايات المتحدة الأمريكية، رحلة تحول البيانات إلى معلومات ثم معرفة وصولًا إلى الحكمة، موضحًا أن البيئة الرقمية أعادت تشكيل إنتاج المعلومات وتوزيعها واستهلاكها من خلال التفاعلية والتخصيص وتأثير الخوارزميات. كما استعرض أبرز العوائق التي تواجه انتشار المعلومات، ومنها فرط المعلومات، وغرف الصدى، والبوتات والخوارزميات، إلى جانب التأثيرات السياسية والأيديولوجية والعوامل الاجتماعية والثقافية والفجوة الرقمية والإرهاق المعرفي.
وأكدت أ.د. دينا عرابي، عميدة كلية الإنتاج الإعلامي بجامعة الجلالة، أن الإعلام لم يعد مجرد أداة لنقل التطور الرقمي، وإنما أصبح بنية استراتيجية تسهم في صناعة الابتكار، مشيرة إلى أن امتلاك البنية التكنولوجية وحده لا يكفي لبناء مجتمع ابتكاري في ظل وجود فجوات بين الجامعات والشركات الناشئة والمستثمرين والجمهور. وحددت عدة أدوار للإعلام تشمل نشر المعرفة، وبناء السرديات، وإبراز قصص النجاح، والتأثير في السياسات، ودعم التحول الثقافي نحو الابتكار.
كما دعت إلى تعزيز مهارات الصحفيين في التعامل مع البيانات والذكاء الاصطناعي، وبناء تحالفات مستدامة بين الجامعات والجهات التكنولوجية والمؤسسات الإعلامية.
ومن جانبها، ناقشت د. إيمان زهرة توظيف الذكاء الاصطناعي في بناء العلامات التجارية ودعم الاقتصاد المستدام، موضحة أن المستهلك تحول من متلقٍ للمحتوى إلى شريك في صناعة قيمة العلامة التجارية وتخصيص منتجاتها والمشاركة في أنشطتها الاتصالية. وأكدت ضرورة تبني مفهوم الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، بحيث تعمل التكنولوجيا على تعزيز القدرات البشرية لا استبدالها، مع الاهتمام ببناء خوارزميات جديرة بالثقة وتوظيف العلامات التجارية في خلق قيمة اقتصادية ومجتمعية مستدامة.
وتطرق د. ديفيد بينتر David Lynn Painter، أستاذ الاتصال المشارك في Rollins College، إلى أهمية التعبير والتفكير المستقل في اقتصاد الابتكار، مستعرضًا نتائج تجربتين شملتا أكثر من ألفي مشارك، وأظهرتا أن مناخ الآراء المحيط بالمستخدم عبر وسائل التواصل الاجتماعي يؤثر في استعداده للتعبير؛ إذ يزيد المناخ المعارض من الخوف من العزلة والرقابة الذاتية ويقلل الرغبة في التعبير. وأشار إلى أن الابتكار يبدأ في كثير من الأحيان كرأي أقلية، وبالتالي فإن إسكات الآراء المخالفة قد يؤدي إلى إعاقة الابتكار.
كما أكد "بينتر" أن المعلومات الصحيحة وحدها لا تكفي لمواجهة التضليل دون ممارسة التفكير النقدي، مشددًا على أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يحل محل الحكم البشري. وخلص إلى أن الابتكار يحتاج إلى أفراد مستعدين للتعبير، وإعلام يبني واقعًا مستنيرًا بدلًا من واقع مشوه، ومواطنين يفكرون بأنفسهم بدلًا من تفويض التفكير للتكنولوجيا، مؤكدًا إمكانية إعادة تصميم أنظمة الإعلام والذكاء الاصطناعي بما يدعم التعبير والتفكير النقدي والابتكار.
وركزت د. شهلا عدنان، الأستاذ المساعد بجامعة فاطمة جناح للنساء في باكستان، على تحويل المعلومات إلى معرفة عامة في دول الجنوب العالمي، مؤكدة أن التحدي ليس في إنتاج المزيد من المعلومات، وإنما في تنظيمها وتفسيرها بما يساعد الجمهور على الفهم واتخاذ الفعل. واتخذت من الاتصال المناخي في باكستان نموذجًا، داعية إلى ربط المعلومات المناخية بالمخاطر والهشاشة والعدالة والمساءلة، والانتقال من التغطية الموسمية للأزمات إلى إعلام تفسيري يقدم حلولًا ومسارات للتكيف ويدعم عملية صنع السياسات.
وتناولت الصحفية الدولية مارتينا فوكس Martina Fuchs، صحفية تلفزيونية، المؤسسة المشاركة لمدرسة «فريكونسي» (Frequency School)، وخبيرة في شؤون الصين والشرق الأوسط، الاتصال عبر الثقافات في عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي يستطيع ترجمة الكلمات، لكن الإنسان يظل مسؤولًا عن ترجمة المعنى والغرض، وأن السرعة التي توفرها التقنيات الحديثة تزيد أهمية فهم السياقات والفروق الثقافية والثقة والتحقق. وشددت على تزايد أهمية الذكاء الثقافي والعاطفي والفضول والاستماع والتفكير النقدي، ملخصة رؤيتها في أن الذكاء الاصطناعي يضاعف السرعة، بينما يضاعف الإنسان الفهم.
واستعرضت تريشيا أوكتافيانو Trishia Octavianoمديرة أولى للتعليم في مجال الأمن السيبراني لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، شركة كاسبرسكي Kaspersky دراسة حول تقييم الآباء للمخاطر المرتبطة بمشاركة بيانات أطفالهم رقميًا، وتناولت مدى إدراكهم لمخاطر التنميط الرقمي للأطفال، وقدرتهم على إدارة إعدادات الخصوصية وتقليل مخاطر مشاركة الصور والمعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أهمية توظيف نتائج البحوث في تطوير المبادرات التعليمية والتوعوية المرتبطة بالأمن والخصوصية الرقمية.
وفي ختام المناقشات، قدمت أ.د. بسنت مراد خلاصة لأبرز ما طرحه المتحدثون، مؤكدة أن اقتصاد المعرفة لا يعتمد على التطور التكنولوجي وحده، وإنما يتطلب تواصلًا فعالًا للمعرفة، ومواجهة التضليل، وتعزيز الثقافة الرقمية، وتهيئة بيئة تسمح للابتكار بالنمو. وأشارت إلى أهمية التعاون بين المؤسسات الإعلامية وصناع السياسات والمؤسسات التعليمية ومقدمي التكنولوجيا والمجتمع المدني، ودور الإعلام في الربط بين المبتكرين والمستثمرين وصناع القرار والجمهور وتحويل الأفكار إلى وعي وفعل.
واختتمت المائدة المستديرة بفتح باب الأسئلة والمناقشة مع الحضور حول القضايا التي أثارتها المداخلات، أعقبها تكريم المشاركين والمتحدثين تقديرًا لإسهاماتهم في إثراء النقاش حول دور الإعلام والذكاء الاصطناعي وتداول المعرفة في بناء اقتصاد قائم على الابتكار